فخر الدين الرازي
233
تفسير الرازي
الحبس مخصصا لآية الجلد ، وأما على قول أصحاب أبي حنيفة فقد وقع النسخ من ثلاثة أوجه : الأول : آية الحبس صارت منسوخة بدلائل الرجم ، فظهر أن الذي قلناه هو الحق الذي لا شك فيه . الوجه الثاني : في دفع كلام الرازي : انك تثبت أنه لا يجوز أن تكون آية الجلد متقدمة على قوله : " خذوا عني " فلم قلت إنه يجب أن تكون هذه الآية متأخرة عنه ؟ ولم لا يجوز أن يقال : إنه لما نزلت هذه الآية ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ؟ وتقديره أن قوله : * ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) * مخصوص بالاجماع في حق الثيب المسلم ، وتأخير بيان المخصص عن العام المخصوص غير جائز عندك وعند أكثر المعتزلة ، لما أنه يوهم التلبيس ، وإذا كان كذلك فثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك مقارنا لنزول قوله : * ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) * وعلى هذا التقدير سقط قولك : ان الحديث كان متقدما على آية الجلد . هذا كله تفريع على قول من يقول : هذه الآية أعني آية الحبس نازلة في حق الزناة ، فثبت أن على هذا القول لم يثبت الدليل كونها منسوخة ، وأما على قول أبي مسلم الأصفهاني فظاهر أنها غير منسوخة والله أعلم . المسألة الخامسة : القائلون بأن هذه الآية نازلة في الزنا يتوجه عليهم سؤالات : السؤال الأول : ما المراد من قوله : * ( من نسائكم ) * ؟ الجواب فيه وجوه : أحدها : المراد ، من زوجاتكم كقوله : * ( والذين يظاهرون من نسائهم ) * ( المجادلة : 3 ) وقوله : * ( من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) * ( النساء : 23 ) وثانيها : من نسائكم ، أي من الحرائر كقوله : * ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) * ( البقرة : 282 ) والغرض بيان أنه لا حد على الإماء . وثالثها : من نسائكم ، أي من المؤمنات ورابعها : من نسائكم ، أي من الثيبات دون الأبكار . السؤال الثاني : ما معنى قوله : * ( فأمسكوهن في البيوت ) * ؟ الجواب : فخلدوهن محبوسات في بيوتكم ، والحكمة فيه ان المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز ، فإذا حبست في البيت لم تقدر على الزنا ، وإذا استمرت على هذه الحالة تعودت العفاف والفرار عن الزنا . السؤال الثالث : ما معنى * ( يتوفاهن الموت ) * والموت والتوفي بمعنى واحد ، فصار في التقدير : أو يميتهن الموت ؟ الجواب : يجوز أن يراد . حتى يتوفاهن ملائكة الموت ، كقوله : * ( الذين تتوفاهم الملائكة ) * ( النحل : 38 ) * * ( قل